هل يمكن أن تكون كل الأشياء حاضرة في العلاقة، و يغيب الشيء الوحيد الذي يُشعِر أحد الطرفين بأنها علاقة حية ؟!
هذا السؤال لا يُطرح من موقع اتهام، بل من تجربة إنسانية معقدة عاشها كثيرون، تجربة رجل يعطي كل ما يعتقد أنه جوهري، و امرأة تشعر أن ما تتلقاه لا يمس قلبها، هنا لا نتحدث عن خذلان متعمد، بل عن اختلاف عميق في ترتيب الأولويات، صنعته التجارب القاسية قبل أن تصنعه الرغبات.
كثير من الرجال لا يضعون العاطفة في مقدمة أولوياتهم، لا لأنهم بلا مشاعر، بل لأن الحياة علمتهم أن العاطفة لا تُطعِم، و لا تحمي، و لا تمنع الانكسار، تجارب الفقد، الخذلان، المسؤوليات المبكرة، أو حتى الفشل السابق، جعلتهم يرون العاطفة كترف يمكن الاستغناء عنه، لا كضرورة، لذلك يعيدون تعريف الحب بطريقتهم الخاصة، إخلاص ثابت، احترام واضح، تحمل مسؤولية، تلبية احتياجات، و أمان مالي و مستقبلي لا تهدده العواصف، من وجهة نظر الرجل، هو يفعل كل ما ينبغي فعله، هو لا يخون، لا يهين، لا يتلاعب، صريح و واضح، يعمل، يخطط، يحمي، و يوفر، لا يطلب الكثير بالمقابل، فقط الهدوء، التفهم، و ربما الامتنان، لا يرى نفسه مقصرآ، بل يرى نفسه رجلآ جادآ اختار أن يحب بعقله أكثر من قلبه، المشكلة أنه لا يفهم أن ما يقدمه، رغم قيمته العالية، لن يصل إلى الطرف الآخر بالطريقة التي يحتاجها، لأن المرأة تنظر دائمآ الى الجزء الفارغ من الكأس، الجزء الناقص الذي لم يمتلئ بعد.
المرأة، في المقابل، لا تقلل من قيمة ما يقدمه الرجل، لكنها لا تشعر به كما تشعر بالعاطفة، هي لا تطلب منه أن يتخلى عن مسؤولياته أو نجاحه، بل أن يراها داخل هذا النجاح، أن يُشعرها بأنها مرغوبة لا فقط "موجودة"، محبوبة لا فقط "مؤمَّن عليها" .. بالنسبة لها، الإخلاص بلا تعبير جفاف، و الاحترام بلا دفء مسافة، و الأمان بلا احتواء وحدة من نوع آخر، هنا تتشكل المعضلة الحقيقية، رجل يضع كل شيء في أولى اهتماماته عدا العاطفة، و امرأة تضع العاطفة في صدارة كل شيء، لا أحد منهما مخطئ بالضرورة، لكن كليهما يتحدث لغة مختلفة، الرجل يرى الحب التزامآ طويل الأمد، و المرأة تراه إحساسآ يوميآ متجددآ، هو يعتقد أن أفعاله تكفي، و هي تشعر أن قلبها ما زال ينتظر.
الانسحاب في هذه الحالة لا يكون إنكارآ لما قدمه الرجل، بل اعترافآ مؤلمآ بأن ما تحتاجه المرأة ليس حاضرآ، و هي حين ترحل، لا ترحل لأنها طماعة أو غير واقعية، بل لأنها تخاف أن تعيش عمرآ كاملآ و هي تبرر غياب شعور أساسي لديها، كما أن الرجل حين يُفاجأ بقرارها بالرحيل، لن تصدر منه اي ضجة كبيرة و لن يمنعها من الرحيل، لأنه يرى الحب إلتزام بغض النظر عن الظروف، بالتالي رحيلها في نظره يعني عدم مقدرة منها بالإلتزام، و هو بطبيعة الحال يعرف جيدآ ان الإلتزام لا يمكن فرضه على الآخرين، الحقيقة الصعبة أن العلاقات لا تفشل دائمآ بسبب سوء النية، بل بسبب سوء التوافق، الرجل الذي لا يرى العاطفة ضرورة، و المرأة التي لا تستطيع العيش بدونها، قد يجتمعان بعلاقة صادقة، لكن مهما حاولا الإبقاء عليها، ستتحول هذه العلاقة إلى عبء على الطرفين، أحدهما يشعر أنه غير مقدَّر، و الآخر يشعر أنه غير مُشبَع.
في النهاية، ليست القضية أن الرجل سيئ لأنه لا يعطي عاطفة، و لا أن المرأة متطلبة و ظالمة لأنها تطلبها، القضية أن الحب لا ينجح حين يُقدَّم بنصف لغته، الرجل الذي يريد علاقة مستقرة عليه أن يدرك أن العاطفة ليست عند بعض النساء شرطآ اساسيآ و عند البعض الآخر كل شئ، و المرأة التي تريد الحب عليها أن تفهم أن بعض الرجال أحبوا كثيرآ، ثم تعلموا أن ينجوا قبل أن يشعروا، و بين هذا و ذاك، إما أن يلتقي الطرفان في منتصف الطريق، أو يفترقا و كل منهما مقتنع أنه كان على حق، و الأفضل دائمآ ان يختار الإنسان شريكآ يتوافق معه، لا شريكآ يجب إصلاحه او تغييره ليناسبه.

إرسال تعليق