-->
سجين اوراق قلب سجين اوراق قلب
عمر محمد عطيه

‎ ﻻ ﺗﻘﺎﻭﻣﻮﺍ ﺍﻟﺤﺐ ﺑﺎﻟﺸﻚ، ﻻ ﺗﺤﺎﺭﺑﻮﺍ ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ ﺑﺎﻟﺒﻌﺪ، ﻻ ﺗﻘﺎﻭﻣﻮﺍ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺑﺎﻟﻤﻨﻄﻖ، ﻷﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺗﻐﺬﻱ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ، ﻷﻥ ﻣﺤﺎﺭﺑﺔ ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ ﺗﻘﺘﻞ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ ﻭ ﺗﺰﻳﺪﻩ ﺫﻵ ﻭ ضعفآ، ﻭ ﻻ ﻳﻘﺎﻭﻡ ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ ﻭ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭ ﺍﻟﺤﺐ ﺇﻻ ﺿﻌﺎﻑ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﻭ ﻋﺒﻴﺪ ﺍﻟﺸﻚ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﻮﻥ ﻭ ﺍﻷﻧﻘﻴﺎﺀ ﻓﻜﺮﺁ ﻭ ﺭﻭﺣﺂ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻠﺤﻈﺎﺕ ﻭ ﻳﻤﻮﺗﻮﻥ ﻓﺨﺮﺁ ﺑﻬﺎ.


recent

: منوعات

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

حين لا يكفي المال للجميع



#حين_لا_يكفي_المال_للجميع : أي بناء نختار و لماذا ؟


في لحظة افتراضية لكنها عميقة الدلالة، طُرح علي سؤال يبدو بسيطآ في ظاهره، قاسيآ في جوهره :

لو كان لديك المال لبناء مشروع واحد فقط يخدم الناس، فهل تبني مسجدآ أم مدرسة أم مستشفى ؟

المعضلة في هذا السؤال في انه لا يقيس كرمنا، بل يكشف طريقة تفكيرنا، ترتيبنا للأولويات، و رؤيتنا للإنسان و المجتمع، بإختصار حينما خُيرت بين المسجد او المدرسة او المستشفى، أخذت وقتآ طويلآ جدآ قبل أن أجيب، لأنه سؤال عن الأثر، لا عن النية فقط.


عندما نفكر بعمق، ندرك أن البناء الحقيقي لا يكون بالإسمنت و الحديد وحدهما، بل بما يُحدثه هذا البناء في حياة الناس بعد عشر أو عشرين سنة، لذلك، الإجابة لا تأتي من العاطفة وحدها، و لا من التدين وحده، و لا من المنطق البارد وحده، بل من فهم الواقع و احتياجات الإنسان كما هو، لا كما نتمناه.

المسجد رمز للروح، هو المكان الذي يذكر الإنسان بمعناه، بوجوده، بأخلاقه، و بحدوده، وجود المسجد في أي مجتمع يمنح الناس بوصلة أخلاقية، و يخلق مساحة للسكينة و الانتماء، لا يمكن التقليل من هذا الدور، لأن مجتمعآ بلا قيم، مهما بلغ من التقدم المادي، يظل هشآ من الداخل، لكن السؤال الصعب هنا، هل غياب المسجد هو أكثر ما يؤلم الإنسان اليوم ؟ .. ففي كثير من المجتمعات، المساجد موجودة، و ربما أكثر من الحاجة الفعلية، بينما أزمات أخرى تُترك بلا حل.

على الجانب الآخر، نجد ان المدرسة ليست مجرد مكان للتعلم، بل مصنع للعقول، هي التي تشكّل وعي الإنسان، و تمنحه أدوات التفكير، و تكسر دائرة الجهل و الفقر، التعليم لا يعطيك خبز اليوم، لكنه يعطيك القدرة على صناعة خبز الغد، مجتمع بلا تعليم كافٍ سيظل يعتمد على غيره، و سينتج أجيالآ محدودة الخيارات، مهما كانت نواياه طيبة، المدرسة لا تغيّر فردآ واحدآ فقط، بل تغيّر مسار عائلة، ثم حي، ثم مدينة كاملة، و مع ذلك، التعليم يحتاج صبرآ، ثماره لا تُقطف بسرعة، و هذا ما يجعل البعض يتجاهل قوته الحقيقية.

أما المستشفى، فهو البناء الذي يقف بين الإنسان و الموت، هو خط الدفاع الأخير عندما ينهار الجسد، و عندما تصبح كل القيم و المعرفة بلا معنى إن لم يبقَ الإنسان حيآ، المستشفى لا يناقش الأفكار و لا يعلم النظريات، هو يتعامل مع الألم مباشرة، مع النزيف، مع الطفل الذي يحتاج إنقاذآ عاجلآ، الصحة هي الأساس الصامت لكل شيء آخر، فالمريض لا يستطيع التعلم، و لا العبادة كما يجب، و لا الإنتاج، لكن المستشفى أيضآ مشروع ثقيل، تشغيله مكلف، و استدامته صعبة، و يحتاج منظومة كاملة لا مجرد مبنى.

هنا تظهر الحقيقة غير المريحة، لا يوجد خيار مثالي مطلق، الخيار الصحيح ليس هو الأكثر قداسة، و لا الأكثر إثارة للعاطفة، بل الأكثر حاجة في لحظته، المجتمع الذي يموت أفراده بسبب نقص الرعاية الصحية لا يحتاج خطابآ طويلآ عن المستقبل، هو يحتاج إنقاذآ الآن، و المجتمع الذي يغرق في الجهل و البطالة لا يكفيه علاج الأعراض، بل يحتاج تعليمآ يغيّر جذور المشكلة، أما المجتمع الذي فقد بوصلته الأخلاقية، فقد يكون المسجد فيه ضرورة لا ترفآ.

لكن إن أُجبرتُ على اختيار واحد بمعيار الأثر طويل المدى، فسأميل إلى بناء مدرسة، ليس لأن المسجد أقل قيمة، و لا لأن المستشفى أقل إنسانية، بل لأن التعليم هو القوة التي تمكّن الإنسان لاحقآ من بناء مستشفى أفضل، و إدارة مسجد أعمق أثرآ، و اتخاذ قرارات أنضج، التعليم لا يلغي الحاجة إلى الصحة أو الروح، لكنه يجعل المجتمع قادرآ على خدمتهما بنفسه، لا بالاعتماد الدائم على الصدقات و القرارات الطارئة.

الخلاصة أن السؤال الحقيقي ليس، ماذا نبني؟ .. بل هل نفهم مجتمعنا بما يكفي لنبني ما يحتاجه فعلآ ؟، فالمال قد يكفي لبناء مبنى واحد، لكن الحكمة هي التي تحدد إن كان هذا البناء سيبقى جدارآ صامتآ، أم بذرة تغيير حقيقي.

إرسال تعليق

التعليقات



اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

جميع الحقوق على

سجين اوراق قلب

2027 - 2017 محفوظة لصاحبها عمر محمد عطيه